خطبة بعنوان: في شهر ربيع الأول حرم القمار

خطبة بعنوان: في شهر ربيع الأول حرم القمار
(في إطار توظيف السيرة النبوية في عملية الإصلاح)
وهي بالمناسَبة، لعلها مناسِبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يختصرها، أو يقتصر على بعضها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره والرجاء منه أمران:
1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.
تاريخ إلقائها في مسجد الإمام البخاري: 29 ربيع الأول 1440هـ 7 / 12 / 2018م.
عبد الله بنطاهر التناني السوسي
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه. 
الحمد لله الذي حرم الميسر والقمار، لما فيه للمجتمع من الضرر والضرار، ومن العداوة والبغضاء والدمار، وأشهد أن لا إله إلا الله العزيز الجبار، جعل سيرة المصطفىﷺ وسيلة إصلاح لما بنا من المشاكل والأوزار، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نجح في صناعة القرار، وفي صياغة الحوار، فأزال عن وجه الحياة تراكم الغبار، وحقق في دين الله أكبر انتصار، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الكبار، وعلى أصحابه الذين جنَوْا في الحلال أفضل النتائج والثمار، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دام الإنسان يكدح في هذه الديار.
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
ها نحن في أواخر شهر ربيع الأول، وقد قدمنا لكم في بدايته أنه شهر كثرت فيه الذكريات المتعلقة بسيرة المصطفىﷺ؛ وقدمنا لكم في الجمعة الماضية -في إطار توظيف السيرة النبوية في عملية الإصلاح- أنه في هذا الشهر نزلت الآية التي حرمت الخمور، {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالانصَابُ وَالازْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}...
فتعالوا بنا اليوم نكشف الستار عن الميسر والقمار، وقد قرنه الله تعالى في هذه الآية الكريمة بالخمور؛ لأن أثرهما السيء على المجتمع والدين واحد؛ فكلاهما إثم كبير ورجس من عمل الشيطان، وكلاهما صد عن ذكر الله وعن الصلاة، وكلاهما أكل أموال الناس بالباطل، وبكليهما تنتشر العداوة والبغضاء، وتتفشي الجريمة وانعدام الأمن والاستقرار؛ بل إن أوكار الفساد بكل أشكاله هي هذا الثالوث الخبيث (حانات الخمور، ومقاهي الميسر والقمار، ومستنقعات دور الدعارة)، إنه مثلث متلازم خطير (الدعارة، والخمور، والقمار)، فلا يكاد أحدها ينزل بمكان إلا ووجدت بجانبه الآخَرَيْن، فهذا المثلث هو البنية التحتية والفوقية لكل فسق وفساد، ولا يكاد رجال الأمن والمباحث يحققون في جريمة مَّا، إلا ووجدوا أن لها صلة بهذا المثلث، إلا ووجدوا بذورها وفروعها وأصلها وفصلها من هذا المثلث، ولا يكاد قسم المستعجلات في المستشفيات تستقبل بالليل إلا ضحايا حوادث هذا المثلث (الدعارة، والخمور، والقمار).
أيها الإخوة المؤمنون؛ القمار ظاهرة سادت وكثرت في مجتمعنا بكيفية خطيرة، وسائله في واقعنا عديدة وكثيرة؛ لقد اتخذ في هذا العصر صفات متعددة، وألواناً شتى، لقد هيئت له النوادي، وبنيت له المراكز الخاصة، أبوابها في بلاد المسلمين علنا مفتوحة، واعتيادها من طرف بعض المسلمين علنا مباحة، قد ازدحمت بالطماعين المتكاسلين العاطلين، فأصبح له رواد من الأغنياء والفقراء، ومن الأغبياء والسفهاء، وتعلقت بالربح الخيالي المنتظر في كل لحظة قلوب الرجال والنساء، لقد أطلقوا عليه أسماء كثيرة، وأوصافا وفيرة؛ كلها ترجع إلى نوعين؛ منها ما هو معروف ومشهور، يمارسه الناس المغضوب عليهم وهم يعلمون أنه قمار، ومنها ما هو مخفي ومستور، يمارسه الناس الضالون وهم يجهلون أنه قمار.
أما النوع الأول؛ فهو: قمار ظاهر واضح، لا ينطلي على أحد، ولا يخفى على عاقل؛ ومن ذلك ما يجري في المقاهي من لعبة الكرطى ودمى والبيارات والترسي واللوطو واليانصيب، وإنك لتجد حالة من يتعامل بهذا النوع مزرية بكل المقاييس، فاسدي الشعور والأحاسيس، وفي كل مساء تدق خفقات قلوبهم حسب تسابق بغال الترسي وكلابها، يسألون عن حالات الكلاب والبغال الصحية أكثر مما يسألون عن حالات آبائهم وأمهاتهم؛ بل إنهم ليحبونها أكثر مما يحبون زوجاتهم وأولادهم، ويُحكى أن بعضهم قديما راقب مسابقة كلاب القمار، وهو يقول للكلب التي يحمل رقمه الذي راهن عليه: اجر بسرعة يا أخي! لقد أصبح الكلب أخاه وحبيبه، فصح أن يقال له: رب أخ لك لم تلده أمك.
أما النوع الثاني من القمار؛ فهو: قمار خفي ومستور، ومتستر بما يسمى المنافسات الثقافية، أو المسابقات الرياضية، أو حتى أحيانا الدينية، وقد تنوع هذا النوع من الميسر، وتعددت صنوفه حتى فاقت الحصر أو كادت، وتفاقم أمره مع تطور وسائل الإعلام والاتصال، فخاطر الناس وتغالبوا في المباريات الرياضية بين الفرق، وعبر الشبكة العالمية (الإنترنت)، ورسائل الجوال القصيرة، والمسابقات في القنوات التلفزيونية والإذاعية، والاشتراك في المسابقات التي تتطلب الاتصال بالأرقام الساخنة، والتي تكون قيمتها مرتفعة، ويُجرى على المتصلين قرعة إلكترونية تحدد الفائزين، وربما سموها ألعابا أو جوائز أو غيرها من الأسماء اللامعة، وهي لا تغير من حقيقتها شيئا، ولم ينتشر الميسر في عصر من العصور منذ أن خلق الله هذه الدنيا كما انتشر في هذا الزمن، فالكثير من الفضائيات والإذاعات ووسائل الإعلام وشركات الهواتف المحمولة تحولت إلى وسائل لإفساد شعوب الأرض، ينقلون الميسر والقمار إلى بيوت الملايين من البشر، من خلال المسابقات التي ظاهرها المسابقات العلمية أو الفكرية أو الرياضية، في حين أنها الميسر الذي يراد منه أكل أموال الناس بالقمار، ومن ذلك المحطات التي تطلب إرسال رسائل في الجوال بكتابة كلمات بسيطة، مثل: "حلم" أو "زيارة" أو "ذهب" أو "سيارة" أو حتى رسالة فارغة، ليربح بكذا وكذا من الملايين، فتبدأ الرسائل تتوارد من المغفلين بالملايين، لتجني هذه المحطات من الدراهم الملايين. 
وغالبا ما تكون الأسئلة واضحة ليجيب عنها الصغير والكبير؛ فيقولون مثلا: هل الشمس تطلع من المشرق أو المغرب؟! من المشرق أرسل حرف (أ) ومن المغرب أرسل حرف (ب)! ويقولون: من هو صاحب هذه الأغنية، ثم تسمع صوت المرأة، ثم تأتي الاختيارات: هل هو المغني الفلاني يعني الرجل؟ أو المطربة الفلانية يعني امرأة؟ ومن هذا الغبي الذي لا يستطيع أن يفرق بين صوت المرأة وصوت الرجل؟! الشيء يدل على أن هؤلاء إنما يستغبون الناس ويستبلدونهم ويستحمرونهم: أي يعتبرونهم أغبياء وبلداء وبهائم. 
ثم يضعون لك الجائزة في الشاشة وهي عبارة عن سيارة ذات الدفع الرباعي، وفي الحقيقة أن من استجاب لاستغبائهم وأجاب عن رسائلهم هو صاحب الدفع الرباعي؛ أي: بهيمة تمشي على أربع؛ لأنه خسر في الدنيا دارهمه، وفي الآخرة داره؛ {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}. 
ويكفي أن يقدموا أسرة واحدة -كنموذج- ربحت وزا ذهبيا، وأخرى ربحت حاسوبا، لترى الرسائل من الأغبياء أصحاب الدفع الرباعي تترا عليهم من كل حدب وصوب، تصورا لو عثروا على مليون غبي ممن يمشون على أربع بمليون درهم! فكيف أن هذه الرسائل تساوي أكثر من درهم؟ إنها أموال طائلة من هذا القمار الخفي 
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…
الحمد لله رب العالمين… 
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ إن القمار مفسدة تتولد منها مفاسد كثيرة، منها ما هو ديني ومنها ما هو دنيوي
أما المفاسد الدينية فحسبك منها أن الله تعالى وصفه بكونه إثما كبيرا، وقرنه بالشرك وشرب الخمور، وجعله رجسا من عمل الشيطان، يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
أما المفاسد الدنيوية فحسبك منها أنه أكل أموال الناس بالباطل، وسبب العداوة والبغضاء.
وأكبر دافع للناس إلى الوقوع في أحضان المقامرين والمغامرين هو البطالة وقلة فرص الشغل، ومن لم يشغل نفسه بالخير شغلته نفسه بالباطل، وأقرب الباطل إلى العاطل هو القمار، سعيا وراء سراب الربح السريع، حتى يغرق بعد اليأس والقنوط في أوحال التدخين والمخدرات والخمور، ومستنقعات الرذيلة والدعارة؛ لأن القمار يُفقد الإنسان العلم والعمل، والإحساس والشعور، ويجعله يعتمد على الحظ والصدفة، والأماني المغلوطة، والأحلام الكاذبة، دون التوكل على الله تعالى في مباشرة الأعمال المشروعة، يسهر الليالي دون نوم ولا راحة، ولا يتورع من أجل القمار أن يبيع دينه وعرضه، وقد يقامر بكل شيء، وحتى بشرفه وزوجته، وعقيدته ودينه، وقومه ووطنه، في سبيل كسب باطل موهوم؛ فكم من أولاد في الشوارع من غير تربية ولا تعليم بسبب القمار؟ وكم من نساء خرجن للبغاء والفساد بسبب القمار؟ وكم من أرواح أزهقت ونفوس قتلت وخاصة من الشباب؟ وكم من أسرة تهدَّمت وعائلة تشرَّدت؟ كل ذلك بسبب داء القمار والميسر! والمستفيد الوحيد من هذا كله أعداء المجتمع الذين يستغلون بالقمار الضمائر والعقول، ليستولوا به على الثروات والأموال، الذين يعملون من وراء الستار، لا يهمهم ما يكبِّدون المجتمع من الأضرار، ولا يهمهم إلا أكل الأموال من وراء القمار. 
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة بعنوان: "لا يعترف بنعمة الاستقلال من لا يعرف نقمة الاستعمار"

خطبة منبرية بعنوان خطوات عملية لاستقبال رأس السنة الميلادية

خطبة الجمعة من صفحة نفحات من المنبر بعنوان التبرع بالدم صدقة جارية