خطبة منبرية بعنوان خطوات عملية لاستقبال رأس السنة الميلادية

خطبة بعنوان: "خطوات عملية لاستقبال رأس السنة الميلادية"
وهي بالمناسَبة، لعلها مناسِبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يختصرها، أو يقتصر على بعضها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره والرجاء منه أمران:
1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.
تاريخ إلقائها في مسجد الإمام البخاري
(21 ربيع الأخير 1440هـ 28 / 12 / 2018م)
عبد الله بنطاهر التناني السوسي
الحمد لله الذي أمرنا بالإيمان بنبوة سيدنا عيسى، وجعل لنا العبرة والفائدة بقصص سيدنا موسى، وأشهد أن لا إله إلا الله حرم الخمور وبعض المسلمين يحتسونها ليلة رأس السنة كالحسا، فيختلطون في الملاهي الرجال فيها هم زير النساء، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي جاءنا بشريعة تذهب الحزن والأسى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا في الصالحين خير جلساء، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تقابل الصباح والمساء.
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
ها هي رأس السنة الميلادية تقترب؛ كيف يواجه المسلم هذا الحدث الزاحف الذي يكبد في رأس كل سنة للأعراض خسائر فادحة؟ وكيف يقف بإيمانه ضد هذا السيل الجارف لثروة الأخلاق والفضيلة والعقيدة؟ وما هي الخطوات(1) التي ينبغي للمسلم القيام بها في هذا الصدد لحماية دينه وإيمانه؟
الخطوة الأولى في الأساس: ينبغي أن نتذكر في رأس السنة العمر الذي يتآكل بالسنوات، وقد تكون عجافا من ناحية الأخلاق والأعمال الصالحة؛ ماذا قدمنا فيها؟ وماذا ضيعنا؟ ماذا فعلنا بمسؤولياتنا الطويلة والعريضة؟ ماذا فعلنا بالأخوة الإسلامية التي ضيعنا حقوقها؟ هل حضرنا لسؤال يوم القيامة جوابا؟ يقول الرسولﷺ فيما روى الترمذي والطبراني: «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ما ذا عمل به».
الخطوة الثانية في الأولوية: لو كانت رأس السنة مرتبطة حقا بسيدنا عيسى عليه السلام، لكان الأولى به نحن المسلمين لأنه حقا من المسلمين؛ قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}؛ فنحن أولى به من الصليبيين، كما كنا أولى بسيدنا موسى من اليهود، يقول الرسولﷺ فيما روى الإمام مسلم: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة، الأنبياء إخوة من عَلاَّت وأمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبين عيسى نبي». 
نعم نحن أولى بعيسى من الذين ألهوه وعبدوه وجعلوه ندا للذي خلقه، نحن أولى بعيسى من الذين زعموا أنه مخلص العالم، وأنه صلب لينقد الناس من خطاياهم فيستقبلون ذكرى ميلاده بمزيد من الخطايا. 
نحن أولى بعيسى نتذكر معجزة ولادته دون أب كما خُلِق آدم دون أب ولا أم والله تعالى يقول: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. 
نحن أولى بعيسى نتذكر زهده وصبره وبره بأمه، وأنه لم يصلب بل رفعه الله إليه، وسينزل آخر الزمان ليحكم بين الناس بشريعة القرآن؛ قال النبيﷺ فيما روى الإمام مسلم: «والله ليزلن ابن مريم حكما عدلا فليكسِرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتُرَكنَّ القِلاص فلا يُسعَى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليَدْعُوَنَّ إلى المال فلا يقبله أحد»، ونقف هنا عند كلمة «لتتركن القلاص فلا يسعى عليها»، والقلاص هي الإبل، أليست قد تركت اليوم فلا يسعى عليها، واستبدلت بالسيارات والحافلات وغيرها، فهذا دليل على صدق هذا الحديث عن نزول عيسى بن مريم حكما عدلا؛ بل إن النبيﷺ أخبرنا أنه سيحج ويعتمر فقالﷺ فيما روى الإمام مسلم: «والذي نفسي بيده ليُهِلَّنَّ ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا» وفج الروحاء: اسم مكان بين مكة والمدينة.
الخطوة الثالثة في الاستقلالية: يجب أن يكون المسلم ثابتا بذاته، مستقلا بهويته، لا ينساق وراء التبعية لغيره، ولا ينصهر في عادات غيره وثقافته، فقد روى الترمذي عن حُذيفةَ أن رَسُولُ اللهﷺ قال: «لا تَكونوا إمَّعَةً: تقُولونَ: إنْ أحسَنَ النَّاسُ أحسنا وإنْ ظَلَموا ظَلَمنا، ولكنْ وطِّنُوا أنفُسكُم: إنْ أحسَنَ النَّاسُ أن تُحسنُوا، وإنْ أسَاءوا فلا تَظلِموا»؛ فالرسولﷺ لا يريد للمسلم أن يتشبه بغيره، لقد أكد لناﷺ ذلك فقال فيما روى أبو داوود: «من تشبه بقوم فهو منهم»؛ بل تبرأﷺ من يتشبه بغير المسلمين فقال فيما روى الترمذي: «ليس منا من تشبه بغيرنا» وويل لمن تبرأ منه الحبيب المصطفىﷺ.
الخطوة الرابعة في اغتنام الفرص: ينبغي أن نعلم أن النبيﷺ حذرنا من تقليد النصارى منذ أربعة عشر قرنا، وأخبر بأن ذلك سيحدث في الأمة يوما ما، وقد حدث وعشناه اليوم، ورأس السنة أوضح دليل على ذلك؛ وإن هذا لبرهان ساطع على صدق حديث الرسولﷺ ولدليل ناصع على أنهﷺ ما ينطق عن الهوى، ينبغي ألا يفوت المؤمن فرصة من أجل الدعوة إلى دين الله سبحانه، وإلى التمسك بسنة رسول اللهﷺ؛ روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهﷺ «لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ «فَمَنْ؟». 
فبإطلالة واحدة لواقع الأمة نشاهد صدق هذا الحديث النبوي الشريف؛ إذ نجد الأمة مطبوعة بهذا التقليد طولا وعرضا، وفي شتى المجالات، وإن المسلم عندما يتدبر هذا الحديث ليحس بنفحة ربانية تخالج قلبه، فيزداد إيمانه، ويلهج لسانه خالصا من قلبه: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول اللهﷺ)؛ فبإمكان المسلم أن يستغل حتى هذا التقليد، لدعوة الناس إلى دين المصطفىﷺ.
الخطوة الخامسة في الممارسة: اعتبروا رأس السنة يوما كسائر الأيام، لا فرق بينه وبين بقية الأيام إلا بالتقوى، لا تتبادلوا فيها الهدايا، ولا تزينوا فيها الأشجار، ولا تضيئ فيها الأنوار، واجتنبوا قاعات الفسق والخمور، ولا تشتروا لأبنائكم الألعاب الخاصة بأعياد النصارى واليهود، فلكم في الأيام الأخرى ما شئتم من الألعاب، وعلى التجار المسلمين ألا يساهموا في هذه المظاهر الصليبية في نوع التجارة التي يعرضونها، وألا يزينوا الدكاكين بالأضواء والأنوار؛ حتى لا يكونوا أبواقا لشعاراتهم وإشهاراتهم، أو ببغاءات تحكي أقوالهم وأحوالهم؛ يا من يحتفل بميلاد اليسوع في رأس السنة! ها هي ذكرى ميلاد نبيك سيدنا محمدﷺ قد مضت في الشهر الماضي ربيع الأول؛ هل رأيت يهوديا أو نصرانيا يعتني بها كما تفعل أنت بذكرياتهم، إنهم يتجاهلوننا ويتجاهلون أعيادنا؟ فلم هذا التقليد الذي يجعل المسلم يفقِد هويته؟ فلم نحتفل حتى بأعيادنا على طريقة أعيادهم؟ 
عجباً للمسيح بين النصــارى * والى أي والد نسبـــــــــــــــوه؟
عجبا للمسيح بين النصــارى * حيث قالوا: إن الإله أبـــــــــوه
ثم قالوا: ابن الإلــــــــه إلــــه * ثم قاموا بجهلهم عبـــــــــــدوه
ثم جاءوا بشيء أعجب من ذا * حيث قالوا بأنهم صلبـــــــــوه
أسلموه إلى اليهود وقالـــــــوا * إنهم بعد ضربه قتلـــــــــــــوه
ليت شعري وليتني كنت أدري * ساعة الصلب أين كان أبوه؟
حين خلى ابنه رهين الأعـادي * أتُراهم أرضوه أم أغضبــوه؟
فلئن كان راضيا بأذاهــــــــــم * فاحمدوهم لأنهم عذبـــــــــوه
ولئن كان ساخطا فاتركــــــوه * واعبدوهم لأنهم غلبــــــــــوه(1)
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فأيها الاخوة المؤمنون؛ 
الخطوة السادسة في التسامح: نعم يجب على المسلم ألا يتبع غيره في أعيادهم وعباداتهم وعاداتهم التي تخالف الإسلام؛ ولكن حرام عليه الاعتداء عليهم إن هم مارسوا هواياتهم وأهواءهم ببلادنا في أمن وأمان وإن خالفت ديننا؛ ألا ترى أنهم في بلادهم سمحوا للمسلمين ببناء المساجد والمراكز، ليس لممارسة شعائرهم الإسلامية فقط؛ بل سمحوا لهم بالدعوة إليها ونشر الإسلام بين ظهرانيهم وفي عقر دارهم، حتى تحول كثير من أبنائهم إلى الإسلام، بل تحولت بعض الكنائس إلى المساجد؛ فكيف لا نسمح لهم نحن بممارسة طقوسهم الدينية، وهواياتهم الرياضية في أمن وأمان؟! فالاعتداء عليهم ظلم وعدوان لا يمت للإسلام بصلة، والله تعالى يقول: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، ويقول سبحانه في الحديث القدسي الجليل: «يا عبادي؛ إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّماً، فلا تَظَالموا...»، 
ومصدر الخطورة على التسامح والأمان لا تكمن في المجرم الممارس فقط؛ بل تكمن في نوعين آخرين هما على طرفي نقيض، والإسلام بينهما ضحية: 
النوع الأول: المحرض؛ والمحرض والقاتل في الظلم سواء؛ بل قد يكون المحرض أخطرَ من القاتل، وقد يكون القاتل ضحية المحرض، فإن كان القاتل مجرما فإن المحرض هو المصنع الذي يصنع المجرمين؛ فمن تبنى هذا الظلم أو دعا إليه هو أشد ضررا وخطرا من المنفذ نفسه.
النوع الثاني: أولئك الذين وضعوا لأنفسهم محاربة الإسلام هدفا استراتيجيا؛ بحيث لا يتركون فرصة مواتية إلا وسارعوا لإلصاق جريمة كل مجرم بالإسلام، والإسلام من دعوة ذاك وادعاء هذا براء...
ألا فاتقوا الله عباد الله؛ وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ… 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- الخُطْوة بالضم: ما بين القدمين، والخَطْوة بالفتح: المرة الواحدة؛ فكلاهما صواب.
(2)- انظر: تفسير القاسمي محاسن التأويل: (3/ 408).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة بعنوان: "لا يعترف بنعمة الاستقلال من لا يعرف نقمة الاستعمار"

خطبة الجمعة من صفحة نفحات من المنبر بعنوان التبرع بالدم صدقة جارية