خطبة بعنوان "في ذكرى وفاة الحسن لثاني طيب الله ثراه"

خطبة خاصة بالمغاربة بعنوان: "في ذكرى وفاة الحسن الثاني طيب الله ثراه"
وهي بالمناسَبة، لعلها مناسِبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يختصرها، أو يقتصر على بعضها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره والرجاء منه أمران:
1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.
تاريخ إلقائها في مسجد الإمام البخاري: 7 ربيع الأخير 1440هـ 14 / 12 / 2018م.
عبد الله بنطاهر التناني السوسي
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه. 
الحمد لله الذي جعل البيعة أساس التقوى والطاعة، وجعل الطاعة أساس الوحدة والجماعة، وجعل الجماعة أساس التقدم والصناعة، وأشهد أن لا إله إلا الله أكرمنا بشرع ملؤه الأمن والأمان والعفاف والقناعة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أكرمه الله بالرحمة والشفاعة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الإقدام والشجاعة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الساعة.
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
إذا أردنا أن نتحدث عن أي أمر؛ من موضوع، أو مسألة، أو مناسبة من أجل استيعابه لا بد أن يكون ذلك من خلال أربع وسائل بالترتيب: 
1) حسن التعريف والتحصيل من أجل الاقتناع به. 
2) ثم حسن الاستدلال والتأصيل من أجل إقناع الغير به بدليل المنقول الصحيح والمعقول السليم. 
3) ثم حسن التقديم والتفصيل من أجل إمتاع الغير به بروعة الأسلوب وجمال المعاني. 
4) ثم حسن التنفيذ والتنزيل بالممارسة العملية.
ونحن في هذه الأيام تأتينا ذكرى جليلة نتذكر فيها وفاة علَم كبير، ليس من أعلام المغرب فقط؛ بل من أعلام العالم العربي والإسلامي أيضا؛ بل هو علَم ترك بصماته واضحة على الساحة العالمية كلها، إنها ذكرى وفاة باني المغرب الحديث جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، ونحن اليوم إذا أردنا أن نستوعب مغزى ذكراه، ومعنى مناسبته، سنمر بها عبر الوسائل الأربعة المذكورة:
أولا: أما حسن التعريف والتحصيل؛ فإن الذكريات أمر يلازم الإنسان في حياته، يتذكر ذكرياته الخاصة حينما تدور دورتها في التاريخ، فيعاود قلبه التألم والأسى لمؤلمها، كما يعاود الفرح والسرور لجميلها، والوقوف عند الذكريات ينفع من يخشى ويتدبر، ويفيد من يتقي ويعتبر، والله تعالى يقول: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، ويقول سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}، ويقول تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}؛ ومعنى الذكرى: أن نتذكر في الذهن حدثا وقع في الماضي، ثم نذكره بألسنتنا في الحال، ثم نحاول الانتفاع به والاستفادة منه بأعمالنا في المستقبل؛ هذا هو معنى الذكرى، فمن أنكر هذا الحلال في الذكريات فقد تنطع، ومن زاد هذا إلى المحرمات فقد ابتدع، وقد هلك المتنطعون وضل المبتدعون على لسان رسول اللهﷺ.
ثانيا: أما حسن الاستدلال والتأصيل؛ فقد كان النبيﷺ يتذكر زوجته خديجة رضي الله عنها كلما وقف على مناسبة لها علاقة بها، ثم يذكرها بلسانه مادحا لها ومثنيا عليها، ثم يقوم بتكريم من لها علاقة بها من صواحبها من النساء إكراما لها ووفاء لذكراها؛ وليس بالضرورة أن تكون المناسبة زمنية؛ بل قد تكون حدثا واقعيا، أو مناسبة شخصية رأى فيها النبيﷺ شخصا له ذكره بها فيبادر إلى ذكرها والإشادة بها وتكريم من ذكرها بها أو واقعية؛ لقد ماتت أمنا خديجة رضي الله عنها بعد أن كانت بجانبهﷺ بنفسها ومالها، وكانت أول الواقفين وأول المساندين وأول المسلمين، حتى سُمٍّي في السيرة العام الذي ماتت فيه عام الحزن، وكانﷺ كلما كان في داره طعام جيد يقول: خذوا هذه لصاحبات خديجة، خذوا هذا الطعام لأهلها، كان يتذكرها بأهلها وقد مر على موتها سنوات، فيرسل إليهم الهدايا والعطايا، وإذا جاءت واحدة من قريباتها يستبشر ويكرمها ويقولﷺ: لقد كانت تأتينا زمن خديجة، فكانﷺ يكثر من ذكراها وذكرها، حتى غارت عائشة رضي الله عنها منها، فقالت: قد أبدلك الله خيراً منها؛ تقصد نفسها؛ لأنها هي الفتية الشابة؛ فقالﷺ: «لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، لقد واستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وآمنت بي إذ كفر بي الناس، ورزقني الله منها الولد ولم أرزق الولد من غيرها».
وهذا هو معنى الذكرى، وهذا هو أصلها.
ثالثا: أما حسن التقديم والتفصيل؛ فإنا في هذه الأيام -نحن المغاربة بالخصوص والأمة الإسلامية على العموم- نتذكر حدثا جللا اهتزت له النفوس، وحارت له يومها العقول، إنه وفاة الملك النابغة الملك العبقري الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه. 
نتذكر بمناسبة وفاته تضحياته رفقة والده المنعم محمد الخامس طيب الله ثراه، بدأ من الاستقلال لتحرير البلاد، إلى المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء. 
نتذكر خطبه الارتجالية الناضرة، ونصائحه التلقائية النيرة، نتذكر أعماله الرجولية الوافرة، وإنجازاته العظيمة الكثيرة؛ نعم نتذكر خطبه الخالدة، وخصوصا النماذج التي تعالج مشاكل صرنا اليوم نعاني منها. 
نتذكر خطبته عن الحداثة حينما يتم تشويهها، منتصرا للقيم السامية، والأخلاق الفاضلة، والآداب الرفيعة إذ قال -طيب الله ثراه: "إذا كان المقصود بالحداثة القضاءَ على مفهوم الأسرة، وعلى روح الواجب إزاء الأسرة، والسماحَ بالمعاشرة الحرة بين الرجل والمرأة، والإباحيةَ عن طريق اللباس، مما يخدش مشاعر الناس.. إذا كان هذا هو المقصود بالحداثة، فإني أفضل أن يعتبر المغرب بلدا يعيش في عهد القرون الوسطى على أن يكون حديثا".
نتذكر محافظته على الأسرة في الإسلام، والأسرة أساس الدولة، وقوفه في وجه دعاة التغيير حين قال قولته المشهورة: "أنا لا أحل حراما ولا أحرم حلالا".
نتذكر خطبته التي يحذر فيها عما نعاني منه اليوم، من غزو الألفاظ الأجنبية للغة التخاطب عندنا، أمثال "أوكي" و"ضونك" و"باي باي"، و"الكوزينا"، و"الطومبيل" وغيرها، إذ قال بحرارة يوم 20 غشت سنة1994 طيب الله ثراه: "اللهم أكون أسمع طفلا مغربيا يخلط بين العربية الدارجة أو الفصحى، وبين تاريفيت أو تمازيغت أو تشلحيت أفضل بالنسبة لي وأشرف بالنسبة لي، وأقول: أكثر مناعة بالنسبة للمستقبل، من أن أسمع الطفل والطفلة ووالديه كذلك، يخاطب بعضُهم بعضا بالخلط بين العربية والفرنسية أو الخلط بين العربية والإسبانية".
أما حين نتذكر إنجازاته العملية العظيمة؛ فالسدود العملاقة في كل الجهات تتحدث عنها، والمطارات المتطورة في المدن الكبرى ترفع الستار عنها، والموانئ البحرية التي تعانق المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط ترفع الحجاب عنها، والجامعات العلمية في شتى المجالات تخبرنا عنها، والمستشفيات التي تعددت اختصاصاتها تذكرنا بها.
أما حينما نتذكر اهتمامه البالغ بأمن العباد واستقرار البلاد، فالأمن الواقعي التي نعيشه اليوم أو ضح دليل عنها، والأمن الروحي الذي يريحنا أكبر علامة لها.
فمن الناحية المادية والواقعية فقد حافظ على الأمن تحت مظلة الديمقراطية الملكية في أضلاعه الثلاثة: الأمن الاقتصادي، والأمن الصحي، والأمن الاجتماعي؛ تحقيقا لقول الرسولﷺ: «مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها».
ومن الناحية الروحية والدينية فقد أسس للمحافظة على الأمن تحت مظلة إمارة المؤمنين أضلعا ثلاثة أيضا: المذهب المالكي في الإسلام، والعقيدة الأشعرية في الإيمان، والتصوف السني في الإحسان، وهل الدين كله إلا الإسلام والإيمان والإحسان كما قال الرسولﷺ؟ 
نتذكر وقوفه بعزم في وجه كل تطرف، وردَّه بحزم سوء كل تصرف؛ فكان -طيب الله ثراه- من أوائل الذين حذروا من شيعة الخميني، هذه الشيعة التي حطمت اليوم كثيرا من البلدان؛ منها: العراق والشام واليمن، وما دخلت بلدا إلا وزرعت في مدنه الدمار الشامل، إلا وزعت في قراه الهلاك في الحرث والنسل، وما زالت الشيعة -كأنها جهنم- تقول: هل من مزيد؟
رابعا: أما حسن التنفيذ والتنزيل بالممارسة العملية؛ فها اليوم ابنه البار، سليل الأشراف العلويين، أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله يواصل بعزيمة الأبطال، مسيرة والده المنعم في الإنجازات الإيمانية والإنمائية، الدينية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، من أجل رفاهية شعبه وراحة رعيته، وما فتئ حفظه الله يعطي الانطلاقات للمشاريع الدينية والدنيوية، من الطرق السيارة والمطارات والموانئ والجسور المعلقة، وبناء السدود والمساجد، قاصدا بذلك أن يعيش شعبه الحياة الطيبة، حياة الرفاهية الدينية والدنيوية، والله تعالى يقول: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين
الحمد لله رب العالمين...
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ 
ما احتفالنا بهذه الذكرى اليوم إلا تجسيدٌ لتلك الآمال التي ظل ينادي بها، وتلك الأماني التي دوما يدعو إليها؛ للسير قدما بهذا البلد نحو التقدم والرقي والازدهار، والأمن والأمان والاستمرار في الاستقرار، في ظل هذه الثوابت والمقدسات، تحت القيادة الصالحة التي قيضها الله لهذا الوطن العزيز.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة بعنوان: "لا يعترف بنعمة الاستقلال من لا يعرف نقمة الاستعمار"

خطبة منبرية بعنوان خطوات عملية لاستقبال رأس السنة الميلادية

خطبة الجمعة من صفحة نفحات من المنبر بعنوان التبرع بالدم صدقة جارية