خطبة بعنوان: ظاهرة الاستشفاء بين الشعوذة الممنوعة والرقية المشروعة

خطبة بعنوان: ظاهرة الاستشفاء بين الشعوذة الممنوعة والرقية المشروعة
تاريخ إلقائها: 19 شعبان 1434 هـ 6/28/ 2013 م.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
هذه خطبة بالمناسَبة، لعلها تكون مناسِبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره والرجاء منه أمران:
1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.
عبد الله بنطاهر
الحمد لله الواحد الديان، حرم السحر والشعوذة والبهتان، ونهى عن الكيد والخديعة والخذلان، وأشهد أن لا إله إلا الله خلق الإنسان فعلمه البيان، فوصاه بالإحسان وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وحذره من السحر والساحر لا يفلح وقد باء بالخيبة والخسران، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الطيب القلب واللسان، المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق فكان خلقه القرآن، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القسط والميزان.
أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
لقد انتشرت في المجتمع بشكل خطير الشعوذة الممنوعة، واختلطت في الواقع بالرقية المشروعة، حتى لا يكاد المسلم يميز بينهما، وقديما كنا نرى في الشوارع نساء كاهنات وعرافات ينادين (ضرب الشفاء) بحثا عن الزبائن، أما اليوم فلا يوجد ذلك لأن زبائن السحر والشعوذة موجودون بكثرة، والكاهنة ليست في حاجة لأن تتعب نفسها، حتى تعرض في الشوارع سلعتها، فالطلب أكثر من المنتوج، والسحر والشعوذة سلعة رائجة، مطلوبة لدى الرجال والنساء على حد سواء، والنساء هن صواحب الرقم القياسي في الغفلة وتصديق المشعوذين، وهن ضحية ذلك أولا وأخيرا، تفعل ذلك أولا للحصول على زوج يناسبها، ثم تفعله سعيا وراء سراب محبة زوجها، أو خوفا من إضافة زوجة أخرى تقاسمها فراشها، ثم تفعله ما أجل المحافظة على أولادها، وقد أمرنا الله عز وجل بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد.
وإذا كان السحر قبيحا في محيط النساء، فإنه أقبح حين يمارسه الرجال ويصدقون به؛ أي رجال هؤلاء؟ أشباه الرجال وأشباح الرجال، وقد جاءني أن بعض المغفلين يسافر مئات الكيلو مترات، ليسأل مشعوذا عن أسرار نفسه الخاصة، أو لييسر رزقه لأن تجارته قد بارت، أي غباوة هذه؟ وأي مغفل هذا؟ الذي يذهب إلى ساحر مشعوذ، أفاك أثيم، يلعب بعقول الناس، ويضحك على ضعاف الإيمان، فيقضي على عقولهم وصحتهم، ويسلب أموالهم، وهو شيطان مجرم، لا يرحم من يجلس بين يديه، يمارس التخويف والترهيب للسيطرة على الجيوب، ويسمون أنفسهم فقهاء، وبينهم وبين الفقه ما بين الأرض والسماء. 
وهل تدري يا من يذهب إلى المشعوذ أن أي شيء لا يضر ولا ينفع إلا بإذن الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. 
أيريد المغفل تيسير الأرزاق؟ وإنما يسر من جيبه رزق هذا الساحر الساخر منه، لو كان يستطيع تيسير الأرزاق حقا فلم لم ييسر رزق نفسه بدلا من ممارسة الشعوذة، أم يريد الفوز والفلاح في تجارته وجلب الزبائن إلى دكانه فالله تعالى يقول لك: {ولا يفلح الساحر حيث أتى}؟ ولا يعلم الغيب إلى الله؛ ومن ادعى غير ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ 
لقد أخطأ من يظن أن السحر والشعوذة حرام، كلا ليس بحرام فقط؛ بل هو كفر بالله سبحانه، يخلد في النار صاحبه ومتعاطيه ومصدقوه، والله تعالى يقول: {ولكن الشياطين كفروا: يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق}. 
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتفق عليه: "اجتنبوا السبع الموبقات ومنها... السحر"، ويقول صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"، ويقول صلى الله عليه وسلم فيما روى الإمام أحمد: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر" صححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقد يدعي عليك المشعوذ أنه إنما يستعمل الرقية الشرعية الحلال، ولهذا يجب أن تميز الرقية المشروعة عن الشعوذة الممنوعة. 
فالمشعوذ الساحر السارق الفاسق الكذاب الأشر هو: كل من أخبرك بالغيب سواء بفتح الكتاب، أو ما يسمى عندهم بالاستنزال فهو مشعوذ. وكل من كتب لك طلاسم فيها جداول وكلمات غير مفهومة فهو مشعوذ. وكل من ادعى لك تيسير رزقك، وجلب الزبائن لدكانك فهو مشعوذ إنما يجلب لك الزبانية. وكل من علق بك تميمة، أو كتب لك وصفة فيها بخور، أو طلب منك ذبيحة على قبر فلان أو فلانة، أو ديكا أسود أو أحمر فهو مشعوذ. وكل من يدعي قراءة الكف، أو كشف الطالع للمحبة أو الكراهية فهو مشعوذ. وكل من يكتب في يد امرأة أو صدرها أو رجلها فهو مشعوذ فاسق. وقد جاء واحد منهم يسأل: لأنه قد كشف عن امرأة فمس جسمها هل انتقض وضوءه؟ فقلت له: إ ن إيمانك هو الذي انتقص وانتقض؛ لأنك تريد معالجة المرأة من مس شيطان الجن بمس شيطان الإنس وهو أنت. ويدخل في الشعوذة ما ينشر في بعض المجلات والفضائيات من قراءة الأبراج والمستقبل! فإذا ذهبت إلى أمثال هؤلاء، وصدقت بما يقولون فقد انتهى أمرك، فقد كفرت بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؛ فعليك أن تجدد في قلبك الإيمان، وتبادر بالتوبة قبل فوات الأوان. 
أما الرقية الشرعية فإنما تكون بقراءة القرءان على المريض، أو قراءة الأدعية المفهومة، دون خلوة بالأجنبية، ودون كشف لعورة النساء، ودون ادعاء علم الغيب وكشف الأسرار، ودون تعليق أو تبخير أو ذبيحة. ويمكن لأي مسلم ذكرا كان أم أنثى يحفظ شيئا من القرآن الكريم أن يقوم بالرقية ولو بالفاتحة {الحمد لله رب العالمين}، فلا واسطة في الرقية بينك وبين القرآن إذا كنت صالحا في عملك بعيدا عن محرمات الأخلاق والأموال والأفعال؛ والله تعالى يقول: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا}، {وَإِذَا قَرَأْتَ} ولم يقل الله تعالى وإذا قُرئ عليك القرآن، والاستشفاء بالقرآن ليس خاصا بمرض دون آخر، فبإمكانك أن تقرأ القرآن استشفاء وأنت متجه إلى المستشفى، أو تُجْرَى لك عمليه عند طبيب، فليس هناك أمراض خاصة بالأطباء وأمراض خاصة بالقرآن الكريم؛ فالرقية ليس مهنة ولا حرفة يقوم بها البعض دون الآخر، فلا يستغفلنك من يدعي أنه يتقن الرقية ويصارع الجنون والعفاريت، فمتى اتخذ الصحابة رضوان الله عليهم الرقية حرفة لاستجلاب الأموال؟ ومن هؤلاء الراقون الذين يجتمع الناس قنافذ هداجين حول بيوتهم ينتظرون دورهم؟ أليست هذه بدعة ضلالة؟ من أي كلية أو جامعة أو جامع أو مدرسة تعلموا؟ من أين تخرجوا حتى يختصوا بالرقية دون غيرهم؟ ومن الذي يحول بين المسلم -أي مسلم- وبين قراءة الرقية على نفسه؟ وهل اتخذنا بيننا وبين الله تعالى وسائط مثل "بابـهم" في المسيحية من حيث لا ندري؟ 
كأن الآيات القرآنية عندهم علب في رفوف الصيدلة؛ كل آية والمرض التي تصلح له عندهم بحيث لا تستعمل في غيره؛فاخترعوا لكل سورة ما تختص بها من الأمراض وكذا فعلوا بآياتها؟
وقد كنت سألت أحدهم عن عمله وحرفته؟ أنتظر أن يقول: أنا أستاذ أو تاجر أو موظف أو عامل إذا به يقول: أنا راق حرفتي "الرقية الشرعية"؛ فقلت له: أرجوك سيدي ابحث لي في كتب السلف الصالح: هل تجد هذا المصطلح "الرقية الشرعية حرفة"؛ ما ضوابطها؟ وما شروطها؟ وهل تحدث عنها الفقهاء؟ وفي أي باب فقهي نجد أحكامها كما نجد أحكام الإجارة والكراء والبيع والشراء والاستصناع وغير ذلك من الحرف والمهن؟
والطامة الكبرى حينما يرقِي أحدهم امرأة جميلة؛ وهل هو ملك لست به شهوة حين يلمسها؟ بحيث لا يترك مكانا من جسدها إلا ولمسته يداه الراقيتان؛ يوهمها بأنه يطارد هذا الجني المتمرد داخل جسدها من هنا وهناك، وهو في الحقيقة إنما تطادره شهوته؛ يوهم الناس بأنه مطارِد (بكسر الراء) وهو في الحقيقة مطارَد (بفتح الراء).
وأنا هنا لا أتحدث عن الرقية في أصلها وأخذ الأجرة عليها فهذا جائز لا غبار عليه؛ ولكن "الرقية المهنة والحرفة"، وما صاحبها من المنكرات، فقد سألني أحدهم: هل انتقض وضوؤه إذا لمس المرأة وهو يرقِيها؟ فقلت له: إياك أن ترقَى عليها وأنت تلمسها؛ لأن إيمانك هو الذي انتقص (بالصاد) ولا أريد أن أقول له انتقض (بالضاد)؛ لأنه ليس من حق أحد أن يخرج أحدا من الإسلام.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ إن الاستشفاء بالقرآن يخرج مخرج الدعاء، ولا بد فيه من شروط الدعاء ومنها: 
أن يكون المسلم صالح القلب، أخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه".
أن يكون صالح العمل في الحلال فقد قال النبي صلى الله عليه و سلم: "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت فالنار أولى به". 
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة بعنوان: "لا يعترف بنعمة الاستقلال من لا يعرف نقمة الاستعمار"

خطبة منبرية بعنوان خطوات عملية لاستقبال رأس السنة الميلادية

خطبة الجمعة من صفحة نفحات من المنبر بعنوان التبرع بالدم صدقة جارية