خطبة بثلاث مناسبات: الخطبة الأولى عامة بمناسبة عيد الأضحى أحكام وحِكَمِ والخطبة الثانية خاصة بالمغاربة: ذكرى ثورة الملك والشغب وذكرى عيد الشباب
وهي خطبة بالمناسبة؛ لعلها تكون مناسبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره بشرطين: 1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب. (2 غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب. تاريخها: 5 ذو الحجة 1439هـ 17 / 8 / 2018م. عبد الله بنطاهر
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نعبد إلا إياه، أمر المسلم في العيد بالأضحية تقربا لطاعته ورضاه، وحذره من الوقوع ضحية الذنوب ونهاه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، طوبى لمن اقتدى به ووالاه، وويل لمن أعرض عن شرعه وعاداه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين كان هواهم تبعا لهواه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى أن نلقاه.
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته. نعيش في هذه الأيام ثلاث مناسبات: مناسبة عامة وهي عيد الأضحى، ومناسبتين خاصتين بالمغاربة وهما: ذكرى ثورة الملك والشعب، وذكرى عيد الشباب. أما المناسبة الأولى فهي عيد الأضحى والعيد في الإسلام ليس عيد البطن والمعدة، بل هو عيد القلوب والأفئدة، وليس العيد من لبس الجديد، وأكل الحلوى والثريد، ولكن العيد حينما تنال من رضوان الله ما تريد، والأضحية ليست مجرد لحم وكباب؛ بل هي عبادة وإحسان للأهل والأحباب، كما هي تضحية وذكرى للأولي الألباب.
أولا: أما كونها عبادة وإحسانا للأهل والأحباب؛ فلما يتعلق بها من أحكام شرعية مما يجب ويستحب ويجوز ولا يجوز، نمتثل فيها قول الله تعالى: {لَنْ يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}، وهي في حد ذاتها سنة وليست بواجبة، وتكفي رب الأسرة أضحية واحدة له ولمن يعوله ويُنفق عليه، ويجب أن تكون خالية من العيوب التي تؤثر في وفرة لحمها، وجودة مظهرها، وألا تنزل عن أدنى درجات الجودة التي تجعل قيمتها متدنية، وأوصاف السلامة فيها مختلة؛ فلا يجزئ التضحية بالعوراء أو العرجاء، أو المريضة، أو العجفاء الهزيلة الضعيفة جدا، أو العضباء التي ذهب أكثر من نصف أذنها أو قرنها، أو مكسورة القرن الذي يسيل بالدم لحظة الذبح؛ قال رسول اللهﷺ: فيما روى الإمام مالك والترمذي: «أربع لا يجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظَلْعُها، (أي: عرَجها) والعجفاء التي لا تُنْقِى» أي لا مخ في عظامها ولا شحم فيها لِضَعْفها وهُزالها، ولا يجوز أن يبيع شيئًا من الأضحية لحمًا كان أو جلدًا أو غيرهما؛ لقولهﷺ فيما روى الإمام أحمد: «لا تبيعوا لحوم الهدى والأضاحي، فكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها»، ولا يجوز كذلك أن يعطي الجزار شيئًا منها أجرة له على عمله، ولكن إذا دفع إليه شيئًا منه لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «أمرني رسول اللهﷺ أن أقوم على بدنة، وأن أقسم جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الْجَازِرَ شيئًا منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا». وإذا كان لكل عبادة وقت محدد فإن وقت ذبح الأضحية يكون بعد صلاة العيد وبعد ذبح الإمام؛ لقولهﷺ فيما روى الشيخان: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم ولا نسك له»، وفي رواية: «من كان ذبحَ قبل أن نُصَلِّي فَليَذْبَحْ مكانَها أُخْرَى»، وروى الإمام مالك عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: إن خاله أبا بردة بن نِيَارٍ: «ذبح قبل أن يذبح النبيﷺ فقال رسول اللهﷺ: أَعِدْ نُسُكك». ويستحب التصدق ببعضها إحسانا للأهل والأحباب من غير تحديد بالثلث ولا بالنصف ولا بغير ذلك كما قال الإمام مالك رحمه الله؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}، ولقوله سبحانه: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}؛ والبائس الفقير؛ هو: الشَّديد الفقر، إما يكون قانعا وهو: المتعفِّفُ الراضي بالشيءِ اليسيرِ يحصل له وهو في منزله، وإما أن يكون معترًّا وهو: الذي يعتري الناس ويتعرض لهم بمظهر الفقر ليعطوه من غير أن يسأل، فإذا سأل فهو المتسول. وما أحوجنا إلى بذل الإحسان والعطاء! والفقراء يعيشون هذه الأيام في معاناة وأزمة وضائقة، بين مطرقة الدخول المدرسي وهو على الأبواب، وسندان خروف العيد، وأكثرهم بائس فقير؛ ومنهم القانع والمعتر، وأبناءه يشعرون بالحرقة "الحـﮕرة بالدارجة" حين يرون جيرانهم يَذبَحون، وهم بسكين الفقر والحرمان يُذبَحون؛ فمن أين يأتي البائس الفقير بثمن الكبش وقد جعلته العوائد فريضة؟ بل البعض يظن أنه إذا لم يذبح فليس بمسلم، أما في الدين فالأضحية سنة فقط وليست بواجب، من لم يجد فلا حرج عليه، ولا يجوز له بحال من الأحوال أن يلتجأ إلى الاقتراض من البنك بالربا من أجلها؛ لأن الربا كبيرة من كبائر الذنوب، والأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، والكبيرة والشعيرة ضدان لا يجتمعان.
ثانيا: أما كون الأضحية تضحية وذكرى للأولي الألباب؛ فلأننا نتذكر فيها تضحية أبي الأنبياء إبراهيم بابنه إسماعيل عليهما السلام والله تعالى يقول فيها: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}؛ ومن ذلك نتعلم أن التضحية لا بد منها، لن يستقيم المجتمع إلا بالتضحيات السلمية السليمة، لا رفاهية إلا بالتضحية، ولا تربية إلا بالتضحية، ولن يصلح التعليم إلا بها، ولن يقوى الاقتصاد إلا بها، ولن يصلح الدين والدنيا إلا بها؛ فالتضحية هي الصبر والتحمل لمن لم يجد، كما هي العطاء والإحسان لمن وجد، ومن عرف ما قصد هان عليه ما وجد. والتقدم والازدهار إنما يبنى بسواعد من يضحي بمصلحته الخاصة من أجل المصلحة العامة، كما أن التخلف والاندحار سببه أولئك الأنانيون الانتهازيون الذين يضحون بالمصلحة العامة من أجل مصلحته الخاصة، والتاريخ يعلمنا أن رقي الأمم والشعوب، منوط بمعاني التضحية والفداء، والبذل في سبيل الصالح العام بجود وسخاء؛ فما أحوجنا الأمة الإسلامية اليوم إلى ترسيخ قيم التضحية في سلوك الأجيال، وقد فشت فيها آفة التضحية بالمصلحة العامة من أجل المصلحة الشخصية، وفشا فيها داء التضحية برخاء الأمة وازدهارها واستقرارها من أجل رفاهية طائفة من الفاسدين والمفسدين. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين...
الحمد لله رب العالمين… أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ نعيش في هذه الأيام مناسبتين لهما مكانتهما في بلادنا: الأولى في تاريخ بلادنا والثانية في حاضرها: أما في التاريخ فذكرى ثورة الملك والشعب. أما في الحاضر فذكرى عيد الشباب، الذي يصادف ميلاد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره. أيها الإخوة المؤمنون؛ إن ذكرى ثورة الملك والشعب نوع من أنواع التضحيات التي سجله تاريخ بلادنا، إنها تضحية دفع فيها آباؤنا وأجدادنا الغالي والنفيس تحت قيادة أب المغاربة محمد الخامس طيب الله ثراه، فهي ذكرى يعتز بها المغاربة في مجال الكفاح والنضال، ويخلدون فيها انتفاضةَ الشعب العارمةَ في وجه الاستعمار الصليبي، الذي استنـزف خيرات البلاد وأذل العباد، فاسألوا آباءكم وأجدادكم الذين اكتووا بناره لتتعلموا منهم كيف يستغلهم أبشع استغلال لتحقيق مآربه الدنيئة دون مقابل؟ وكم من رجال منهم ماتوا تحت الأشغال الشاقة فيدفنون على قارعة الطريق؟ وكيف ينتزع منهم الخيرات الفلاحية ويتركهم وقد أنشب الجوع إليهم أظفاره؟ وكيف يسجن الأباة منهم ويعذبون وينفون إلى الأصقاع البعيدة؟ وحين بلغ ظلمه أقصاه وطغيانه منتهاه، امتدت يده الأثيمة إلى رمز البلاد جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، فنفاه وأسرتَه بعيدا، وعلى رأسها وارثُ سره جلالة المغفور له الحسن الثاني أسكنه الله فسيح جنانه، ظنا منه أنه بذلك سيخلو له الجو، ويفعل بالمغرب ما يحلو له، ولكن هيهات لقد وقف المغاربة ضده، فاصطدم بصمود عقيدتهم الإسلامية، التي حملها المغاربة يومئذ في قلوبهم، فسرت على جوارحهم جهادا مستميتا مباركا، فخرج لعنه الله يجر أذيال الخيبة والخسران بعد أن لقنه المجاهدون دروسا في الجهاد والتضحية والوحدة لا تنسى. فبعقيدتهم حافظوا على وحدة البلاد وعلى ملة العباد. وها هو جلالة الملك محمد السادس نصره الله يواصل اليوم المسيرة الإنماية والإيمانية في وحدة متماسكة للنهوض بهذا البلد الأمين في مختلف الميادين العلمية والثقافية والعمرانية والاقتصادية والاجتماعية ويتولى حماية الدين والعقيدة والذود عن الوطن ومقدساته. وقد كان ذكرى ميلاده حفظه الله من أجل الوقوف عند طموح الشباب لتحقيقها، وعند أهدافهم لتنفيذها وعند آفاق مستقبلهم لبنائها، اقتداء الرسولﷺ الذي أولى الشباب عناية خاصة فقالﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، وقالﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ومنها: «شاب نشأ في عبادة الله»، وقالﷺ: «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال»، ومنها: «عن شبابه فيما أبلاه»، وقالﷺ: «اغتنم خمسا قبل خمس» ومنها: «شبابك قبل هرمك». ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ...
|
تعليقات
إرسال تعليق