خطبة بعنوان: دروس وعبر من حياة الإمام مالك العلمية

خطبة بعنوان: دروس وعبر من حياة الإمام مالك العلمية
في إطار سلسلة من الخطب للتعريف بأعلام المذهب المالكي
وهي بالمناسَبة، لعلها مناسِبة لمن أحب أن يستأنس بها، أو يختصرها، أو يقتصر على بعضها، أو يوظفها بعد أن ينظفها، فينقحها من أخطائي ليلقحها بأفكاره والرجاء منه أمران:
1) الدعاء لي -بعد الإخلاص- عن ظهر الغيب.
2) غض البصر -بعد الإصلاح- عما فيها من العيب.
تاريخ إلقائها في مسجد الإمام البخاري: 25 محرم 1440هـ 5 / 10 / 2018م.
عبد الله بنطاهر التناني السوسي
الحمد لله الذي أكرمنا بالتمسك بمذهب عالم المدينة الإمام مالك، فسلك بنا في الفقه أحسن الطرق وأيسر المسالك، فوقانا شر المفاسد والمهالك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ملك الممالك، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبارك، بنور سنته تزول عنا الظلمات الحوالك، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه سادات السلام والمعارك، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تنزلت عبر مسالك الملكوت الملائك...
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته. 
منذ أن كرم الله هذه الأمة ببعثة نبيهﷺ، وأفواج الدعاة المصلحين يتعاقبون فيها، علماء مخلصين عاملين مربين ربانيين، داعين إلى الحق، حاكمين بالقسط، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر. 
فما أحوجنا للحديث عن سير الرجال العظماء النبلاء! فما أحوجنا للعناية بتراجمهم؛ لأن الاطلاع على مواقف من حياتهم يورث الإحساس بالعزة، وينبت الشعور بالقوة، ويهدي إلى التمسك بالحق، ويقود إلى السمو في الخُلُق.
فتعالوا بنا اليوم نرفع الستار عن شخصية عظيمة، نكشف الستار عن حياة العلم عند إمام من الأئمة، على إمامته أجمعت الأمة، وذكره يزيد الإيمان والهمة، إمام نشأ في المدينة المنورة طيبة الطيبّة، وشرب من معينها، فارتفع ذكره، وملأ الأرض علمه، هو إمام المحدثين وإمام الفقهاء على السواء، جلس للتدريس في المسجد النبوي الشريف، حتى قيل عنه: عالم المدينة أو إمام دار الهجرة، أتدرون من هو هذا العالم الكبير؟؟
إنه الإمام مالك -رحمه الله تعالى ورضي عنه- هذا الإمام الذي اعتنق المغاربة مذهبه، يتلقاه الآباء عن الأجداد، ويلقنه الآباء للأولاد والأحفاد، فماذا نعلم عنه يا ترى؟
أيها الإخوة المؤمنون؛ ولد الإمام مالك بن أنس في مدينة رسول اللهﷺ، سنة ثلاث وتسعين للهجرة, في خلافة سليمان بن عبد الملك الأموي، فنشأ محبا للحديث مغترفا من العلوم، معترفا بفضل العلماء، على الرغم من فقره وقلة حاله. 
لقد كانت مدرسته الأولى أمه الحنون اعتنت به فأحسنت تربيته، ووفقت في تنشئته، أتته يوما وقالت له: "اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه"، وهكذا فلتكن الأمهات، همهن التأديب قبل التعليم، والإمام مالك قبل أن يكون عالما كان صالحا بعيدا عن المعاصي والفسوق. 
وهكذا ينبغي أن يكون عليه طالب العلم تقيا نقيا، لأن مفتاح العلم الشرعي هو تقوى الله تعالى، والله سبحانه يقول: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}، ورحم الله تلميذ الإمام مالك وهو الإمام الشافعي إذ أفصح عن ذلك فقال: 
شكوت إلى وكيع سوء فهمـي /// فأرشدني إلى ترك المعاصي
فأخبرنـــي بأن العلم نور /// ونور الله لا يعطاه عاصي
أما إذا كان طالب العلم عاصيا يمارس الفسق في الشوارع ويتعاطى المحرمات فلا تنظرن منه إلا كسادا في الأخلاق، وفسادا في الأذواق، ومعلومات مهلهلة ممزقة، وأعمالا فاسدة فاسقة، حيث لا ثقة من العاصي ولا تقوى من الفاسق. وهذا العصر اليوم يشهد على هذا، فمع تقدم العلم تقدما باهرا، وتخلف الأخلاق تخلفا سافرا أنتج العلماء لهذا الكوكب خرابا ودمارا.
لقد صبغت وصية أمه هذه "تعلم من أدبه قبل علمه" حياته حقيقة لا قولا، وواقعا لا خيالا، فغدا مدرسة في الأدب ينهل طلابه من هيئته وسمته، قبل أن يتعلموا من علمه وفقهه، وكان يقول: "تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم". والجفوة بين العلم والأدب هو الذي أفرز اليوم عدم التورع في التهجم على العلماء، والتطاول على الفضلاء.
قرأ الإمام مالك على شيوخ كثيرين، وقد كانت المدينة وقتها تعج بالعلماء من التابعين، تحتضنهم الجامعة الكبرى، والمدرسة الأولى، مسجد رسول اللهﷺ، علماء أطهار الأنفاس، بعلمهم وفضلهم سادوا الناس، تربىّ عليهم الإمام مالك رحمه الله، ونشأ في ربوعهم، منهم: عبد الرحمن بن هرمز، وربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن شهاب الزهري، وهم من كبار الأئمة، والأعلام في هذه الأمة، لم يرحل في طلب العلم إلى مكان آخر لأنه كان يعتقد أن العلم هو علم المدينة التي كانت إليها الهجرة، وفيها كان مقام رسول اللهﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، وبها نزل القرآن.
جلس الإمام مالك للتعليم والإفتاء وعمره لم يتجاوز سبعة عشر سنة؛ بعد أن شهد له سبعون شيخا من أهل العلم أنه أهل لذلك، وفرق كبير بين من يزكي نفسه ويشهد لها، ومن يقدمه العلماء ويزكيه الفضلاء. تصدَّر للرواية والفتوى، وقصده الناس من سائر الأمصار، وازدحموا على بابه يطلبون العلم، فتحقق فيه قول الرسولﷺ: فيما روى الترمذي وحسنه: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجدون في الناس أعلم من عالم المدينة»؛ فكان بذلك دليلا من دلائل النبوة، وبرهانا من براهين الرسالة، إذ أخبر به النبيﷺ قبل ولادته، ولم يسجل التاريخ في عصر من العصور أن الناس يسافرون ليسألوا عالما بالمدينة إلا الإمام مالك، قال عنه تلمذه الإمام الشافعي: "إذا ذكر العلماء فمالك النّجم، ومالك حجّة الله على خلقه بعد التابعين".
ورغم ذلك فقد كان -رحمه الله- إذا سئل عن مسألة يقول للسائل: "انتظر حتى أنظر فيها"، وجاء إليه رجل من أهل المغرب بالأندلس قطع آلاف الأميال ليسأله عن مسائل كلفه بها أهل بلاده، فكان جواب الإمام مالك: "لا أدري، ما ابتلينا بهذه المسألة في بلدنا، وما سمعنا أحدا من أشياخنا تكلم فيها" فقال الرجل: يا إمام أتيت من بلاد بعيد، وتركت خلفي من يقول: ليس على وجه الأرض أعلم منك، فتقول: لا أدري؟! فقال الإمام مالك: "اذهب فقل لأهل البلد الذين أرسلوك: "إن مالكا قال: لا أدري".
هذا الإمام الجليل الذي ملأ الدنيا بعلمه وعمله، يقول حينما يسأل: "لا أدري"، وإنك لتعجب اليوم من أقوام ليس لهم حظ يذكر من العلم الشرعي، ثم يقتحمون حمى الشريعة، فيخوضون تحليلا وتحريما، يوجهون ويُنَظِّرون، والإمام مالك يقول: "من أراد أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنّة والنار، ثم يجيب بما فيه خلاصه". ولله در من قال:
وإن تسال عن الجواب قدر /// غدا جـواب ملــــــــــك مقتدر
فإن علمتـه أجـب ومــــا لا /// فلا تجـب لسائـل ســـــــــؤالا
يكفيك إن كنت الإمام مـــالك /// فمـالك فيـه كثيـــــــــرا ذلك
وكم بلا أدر أجاب المصطفى /// حتى أتى الوحي وإلا وقف؟!
كان الإمام مالك رحمه الله لا يخاف في الله لومة لائم، سمع ذات يوم أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور يرفع صوته في المسجد النبوي، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدَّب قوماً فقال: {لا تَرْفَعُوا أَصوَاتَكُمْ فَوْقَ صوْتِ النَّبِيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشعُرُونَ}، ومدح قوماً فقال: {إنَّ الَّذِينَ يَغُضونَ أَصوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسولِ الله أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ الله قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}، وذَمَّ قوماً فقال: {إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، وإن حرمة النبيﷺ ميتاً كحرمته حياً، فسكت الأمير واستكان، من هذا الذي يستطيع أن يواجه هذا الأمير بمثل هذه الشجاعة؟ فلو كان غير مالك لقال له: أنت لا تخظئ؛ بل أنت خطؤك صواب إلى ما هنالك من مجاملات الحكام على الأخطاء...
ولكن لكل شيء ضريبة؛ فبسبب شجاعته تلك لم يكن في مأمن من جور السلطة وظلم الولاة، ففي سنة سبع وأربعين ومائة كانت قضية طلاق المكره في بداية العصر العباسي سببا في محنته -رحمه الله- حيث كانت مسيسة؛ فقد كان العباسيون يومها يقيسون بيعة المكره على طلاق المكره، فيلزمون الناس بالبيعة مكرهين، فأفتى الإمام مالك بعكس ذلك، فاستدعاه أمير المدينة آنذاك، فأمر بتجريده من ثيابه، وضربه بالسياط سبعين سوطا، لأجل فتوى لم توافق غرض الحاكم، وجُبذت يده حتى انخلعت من كتفه، فخر مغشيا عليه فلما أفاق قال: اللهم إني عفوت وسامحت من فعل بي هذا!! فقيل له لم؟ فقال أخاف أن أموت ويدخل أحد من أمة النبيﷺ النار بسببي، والله تعالى يقول: {يسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو}.
فصارت الشرطة تجره في أزقة المدينة وهو ثابت صامد يُضرَب وهو يردد: "من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك ابن أنس؛ طلاق المكره لا يلزم"!!
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ هكذا كان إمامنا مالك قدوة في العلم في جميع مراحله: 
أولا: هو قدوة لطالب العلم زمن الأخذ والتلقي، وذلك في أمرين أساسين: في اجتناب المعاصي والالتزام بالهدى والتحصين، وفي الجد والمثابر والتحصيل.
ثانيا: كذلك كان أيضا قدوة للعالم زمن العطاء والتلقين، وذلك في أمرين أساسين: في التثبت والتحقيق وقول لا أدري، وفي الشجاعة والثبات وعدم الخوف في الله من يلوم أو يُغْرِي. 
وبعد هذه الحياة التي عاشها الإمام مالك رحمه الله بين الأخذ والعطاء، والتعلم والتعليم، والتلقي والتلقين، مرض قبيل وفاته اثنين وعشرين يوما، قال تلميذه إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس: اشتكى مالك بن أنس أيامًا يسيرة فلما كان في حالة الاحتضار كان آخر كلامه: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ"، وتوفي صبيحة الرابع عشر من شهر ربيع الأول، سنة تسع وسبعين ومائة (179) في خلافة هارون الرشيد بعد عمر طويل من الأخذ والعطاء بلغ 86 عاما...
مات هذا الإمام الجليل، وقد خلّف للأمة مذهبا فقهيا عظيما، وتراثا علميا كبيرا، ويكفيه من الشرف أنه جمع للناس سنّة النبيﷺ في موطئه، فكان أول كتاب ألف في الفقه والحديث، وأنه قدّم للأمة تلاميذ نجباء، حملوا راية العلم من بعده، كالإمام الشافعي، وابن القاسم المصري، وأسد بن الفرات القيرواني، ويحيى بن يحيى الأندلسي المغربي.
رحم الله الإمام مالك رحمة سابغة، وأسكنه فسيح الجنات الواسعة، جزاء ما تعلم فعلّم، وجزاء ما استوعب فألَّف، وجزاء ما نصح فأفصح.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطبة بعنوان: "لا يعترف بنعمة الاستقلال من لا يعرف نقمة الاستعمار"

خطبة منبرية بعنوان خطوات عملية لاستقبال رأس السنة الميلادية

خطبة الجمعة من صفحة نفحات من المنبر بعنوان التبرع بالدم صدقة جارية